ريجي وبارادار والدور الباكستاني الجديد
الكاتب أ. عصام زيدان*   
03 / 03 / 2010
بصورة أكثر وضوحا نقول أن ثمة تغير واضح في دور باكستان الإقليمي, من مجرد رافعة وأداة لمواجهة ما يسمى بالإرهاب في يد الولايات المتحدة إلى السعي ـ بضوء أمريكي ـ إلى بناء تحالفات لتجفيف منابع حركات المقاومة في المنطقة, ولذلك توجهت إلى بناء هذا الحلف الأمني الجديد, الذي لا يعد فريدا ...
 
-------------------------
 
تضاربت الروايات حول صفقة اعتقال زعيم جماعة جند الله السنية عبدالمالك ريجي, فقد ادعت إيران البطولة المطلقة في هذه العملية, وقالت إنها إيرانية خالصة, دون أية مشاركة إقليمية, زاعمة أنها اعتقلت ريجي خلال رحلة جويّة من قيرغيزستان إلى دبي، وأنها أرغمت الطائرة التي كانت تقلّه على الهبوط في مطار بندر عباس.
 
وقال وزير الاستخبارات الإيراني حيدر مصلحي في مؤتمر صحفي: إن ريجي اعتقل على متن طائرة كانت في طريقها من قرغيزستان إلى دبي, وأنه كان في قاعدة عسكرية أمريكية قبل اعتقاله بأربع وعشرين ساعة, وظهر ريجي في لقطات أذاعها التلفزيون الإيراني وأربعة ملثمين يقتادونه إلى خارج طائرة مكبل اليدين. 
 
وبمجرد ظهور هذه الرواية الإيرانية تواترت على تكذيبها ثلاث جهات مختلفة, ولكن لها ارتباطها بالحادث ذاته:
 
ـ الجهة الأولى هي وزارة الخارجية الإماراتية التي أكدت عدم صحة الأنباء التي ترددت عن كون ريجي قد دخل دبي قبل اعتقاله من قبل السلطات الإيرانية, وأوضحت أنه كان في مطار المدينة لمدة ساعتين فقط في طريقه من أفغانستان إلى قرغيزستان.
 
وقال بيان للخارجية الإماراتية إن ريجي كان يحمل تأشيرة دخول إلى الإمارات إلا أنه لم يستخدمها، وإنما توقف في مطار دبي لمدة ساعتين وهو قادم من كابول وفي طريقه إلى قرغيزستان بدون أن يستخدم إذن الدخول فعلا.
 
ـ الجهة الثانية كانت مصادر مقربة من تنظيم "جند الله" أكدت لصحيفة "الشرق الأوسط" أن ريجي "اعتُقل بسبب خيانة مخابراتية تعرض لها"، مؤكدة كذب الرواية الإيرانية الرسمية, ولفتت إلى أن اعتقال ريجي لا يمكن أن يكون نتاجا لـ "عملية استعراضية" نفذتها إيران، موضحة أن "أجهزة الاستخبارات في دول مجاورة ضالعة في عملية الاعتقال".
 
وأشارت إلى أن العملية هي نتاج تعاون مع الغرب، بما في ذلك وكالة المخابرات المركزية الأمريكية والاستخبارات الأفغانية والباكستانية.
 
ـ الجهة الثالثة باكستان التي أعلنت السلطات فيها أنها سلمت زعيم جماعة "جند الله" إلى السلطات الإيرانية قبل أسبوع على الحدود الباكستانية الإيرانية.
 
وأكد السفير الباكستاني في طهران محمد عباسي، أن بلاده ساهمت في اعتقال زعيم تنظيم "جند الله" السني, مضيفا في مؤتمر صحافي: "إن هذا العمل لم يكن ممكنا لولا تعاون باكستان".
 
هذه الروايات مع العديد من ملابسات الاعتقال توحي جميعها بكذب الرواية الإيرانية, وتجعل الرواية الباكستانية التي تدعهما رواية مصادر جماعة جند الله أقرب إلى الدقة, ولكنها تضعنا أمام مجموعة من الحقائق والتساؤلات.
 
أول هذه الحقائق أن باكستان على ما يبدو سعت في اتجاه بناء تحالف إقليمي يعنيه أمر مواجهة التنظيمات المسلحة في المنطقة بصورة تشاركية فاعلة, ووقع اختيارها على إيران وأفغانستان, فالأولى صُفعت عدة مرات في الآونة الأخيرة من قبل تنظيمات تتخذ من باكستان مقرا لها, مثل جماعة جند الله السنية, ومن ثم يعنيها أن تتخذ من الإجراءات ما يمنع من تمدد هذه الجماعات وممارسة نشاطها في دول الجوار.
 
وأفغانستان بطبيعة الحال يهمها جيدا التعاون مع باكستان في مجال مكافحة ومواجهة هذه الجماعات, على اعتبار أنها تشكل التحدي الأبرز أمام حكومة الرئيس حامد كرزاي, ولن تفلح مواجهتها أو حتى دمجها والتصالح معها إلا بتعاون وثيق مع باكستان.
 
ومن هنا يمكن فهم وقراءة الاجتماع الثلاثي بين وزراء خارجية باكستان وإيران وأفغانستان بإسلام آباد, وهو الثاني من نوعه, في غضون عدة أشهر, والذي أعلنت باكستان أنه يهدف إلى إعداد وتنفيذ مشاريع في مجال التعاون الإقليمي والعمل على تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.
 
فقد شدد وزير الخارجية الباكستاني شاه محمود قريشي, خلال الاجتماع الذي عقد منتصف شهر يناير, على ضرورة تبني ما سماه بالتوجه الإقليمي لتسوية الأزمات، موضحا أن إيران وباكستان تتحملان أكثر من أي بلد آخر، تبعات الأزمة في أفغانستان لا سيما فيما يتعلق بانعدام الأمن.
 
بصورة أكثر وضوحا نقول أن ثمة تغير واضح في دور باكستان الإقليمي, من مجرد رافعة وأداة لمواجهة ما يسمى بالإرهاب في يد الولايات المتحدة إلى السعي ـ بضوء أمريكي ـ إلى بناء تحالفات لتجفيف منابع حركات المقاومة في المنطقة, ولذلك توجهت إلى بناء هذا الحلف الأمني الجديد, الذي لا يعد فريدا, فقد سعت من ناحية أخرى وفي توقيت متزامن لبناء تحالف أمني آخر يضم إلى جوارها أفغانستان وتركيا التي تحتفظ بوجود عسكري ضمن قوات الناتو في أفغانستان, وتقوم هي الأخرى بأدوار مريبة.
 
وقد يكون ريجي, في ضوء هذه الرؤية, قربانا باكستانيا لإيران وتأكيدا على جديتها على الذهاب بعيدا في هذا التحالف الأمني, كما أن اعتقال عدد من قادة طالبان أفغانستان في باكستان خلال الأسابيع القليلة الماضية وعلى رأسهم الملا عبد الغني بارادار، الذي يوجد رهن الحجز في مدينة كاراتشي جنوبي البلاد, إضافة إلى أربعة من حكام الظل للأقاليم الأفغانية قد ألقي عليهم القبض في باكستان خلال شهر فبراير, يعد برهانا آخر على الدور الجديد الذي قد تلعبه باكستان وتأكيدا لمصداقيتها أمام الحكومة الأفغانية.
 
الحقيقة الثاني, التي تتضح من خلال حادثة اعتقال ريجي, تتحدث عن ماهية وحدود التعاون بين إيران والاستخبارات الغربية, والأمريكية على وجه التحديد, وهذه إضافة لتأكيد مصادر جند الله على وجودها في عملية اعتقال ريجي, سلمت بها إيران في أكثر من مناسبة, منها ما ذكره مؤخرا اللواء رحيم صفوي كبير المستشارين العسكريين الإيرانيين للزعيم الإيراني علي خامنئي من أن ما قامت به الولايات المتحدة من إسقاط نظامي طالبان في كابول وصدام حسين بالعراق كان بالتعاون ولصالح إيران. (الوطن السعودية 25/2).
 
وربما ذهب التعاون لأكثر من الأنشطة الأمنية والاستخباراتية إلى حد التعاون في المجال النووي نفسه, حيث أكد الرئيس الإيراني، محمود أحمدي نجاد, أن الغرب أبلغه استعداده لمنح إيران القنبلة النووية، مشيرا إلى أن القوى الغربية ليست قلقة من امتلاك طهران لهذا السلاح.
 
وكشفت شبكة CBS التليفزيونية الأمريكية عن امتلاك إيران لأجهزة تكنولوجية أمريكية تستخدمها في تشغيل برنامجها النووي على الرغم من الحظر المعلن الذي تقوده واشنطن لمنع طهران من الحصول على مثل هذه الأجهزة.
 
 يبقى ختاما عدة أسئلة يشوبها قدر من الغموض تتعلق بالموقف الإيراني من عملية اعتقال ريجي وإنكارها للتعاون الاستخباراتي الباكستاني ومحاولتها التعمية على هذا الدور..
 
فهل تريد إيران أن تبقى نتائج هذا التحالف الأمني طي الكتمان, على نحو ما كان تحالفها سريا مع الولايات المتحدة لإسقاط نظام طالبان في أفغانستان, وصدام حسين في العراق؟
 
أم تخشى إيران من فتح جبهات جديدة للصراع مع بعض حركات المقاومة إن هي أبرزت مفاعيل هذا التعاون الأمني والاستخباراتي مع باكستان وأفغانستان والولايات المتحدة؟
 
قد يكون ذلك كله ما تخشاه إيران فعلا من الكشف عن تعاونها الاستخباراتي مع باكستان والولايات المتحدة, إضافة إلى حاجتها لاستغلال الحادثة داخليا لتأكيد قدرتها على حفظ الأمن في البلاد والتغطية على التظاهرات المعارضة للرئيس نجاد.
 
* كاتب مصري إسلامي.
 
"حقوق النشر محفوظة لموقع "قاوم"، ويسمح بالنسخ بشرط ذكر المصدر"
 



تعليقك على الموضوع
الاسم:
البريد الإلكتروني:
التعليق:

الرمز:* Code
أرسل التعليق إلى البريد الإلكتروني