سقوط أوباما الاستراتيجي: الشرق الأوسط نموذجاً
الكاتب أ. هشام منور*   
05 / 02 / 2010
وبحسب الدراسة الإسرائيلية، فإن الأردن سيكون الرابح الأكبر من هذه التسوية، إذ لن يكون مطالباً بدفع أي ثمن لقاء ذلك، على الرغم من أنه قد يتذمر من إزالة الحاجز الجغرافي والسياسي الذي تمثله "إسرائيل" اليوم بوجودها الجغرافي والسياسي بين عمان والقاهرة. ويتمثل المكسب الأردني في منظومة الطرق، والسكك الحديدية، وأنبوب النفط ...
 
-------------------------
 
لم يتطرق أوباما في خطابه الأخير أمام الكونغرس عن حالة الاتحاد إلى عملية سلام الشرق الأوسط، والتي كانت واحدة من أهم أولويات إدارته في السياسة الخارجية إبان حملته الانتخابية، ربما يعود الأمر لأنه ليس لديه أي شيء جيد أو جديد ليقوله أو يقدمه بهذا الصدد، فبعد عام من جهود مبعوثه الخاص (جورج ميتشل)، أصبح مستقبل حدوث صفقة فلسطينية إسرائيلية أسوأ من بداية حقبة أوباما، ففشل ميتشل في رحلاته إلى المنطقة وآخرها في الأسبوع الماضي حتى في الحصول على وعد باستئناف المفاوضات على المستويات الدنيا يشير إلى أن إدارة أوباما تواجه حقيقة مفادها أن تدخلاتها في المنطقة التي تشهد أسوأ صراع لا تزال حتى الآن بلا فائدة.
 
ورغم تضاؤل البدائل والحلول أمام أوباما، إلا أنه حصل على استشارة مؤخرًا من أطراف خارجية فيما يمكن أن يفعله بصورة مختلفة، وجاءت من مجموعة غير حزبية سرية تعمل في المعهد الأمريكي للسلام، والذي يرأسه اثنان من مستشاري الأمن القومي السابقين، (ستيفن هادلي) و(ساندي بيرجر)، وهذا المعهد البحثي مدعوم من الحكومة الأمريكية ويدير لجانًا عالية الأهمية مثل مجموعة دراسات العراق التي يرأسها بيكر ـ هاميلتون، ولجنة بيري ـ شليزنجر الخاصة بدراسة الوضعية النووية للولايات المتحدة. وقد رأس ميتشل نفسه في السابق لجنة المعهد بشأن إصلاح الأمم المتحدة مع (نيوت جينجريتش).
 
وقدمت المجموعة إلى الإدارة الأمريكية دراسة قام بها مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق، «جيورا أيلاند»، يقترح تسوية الصراع مع الفلسطينيين في إطار دراسة خطيرة أعدها لصالح مركز «بيغين - السادات للدراسات الاستراتيجية»، بعنوان: «البدائل الإقليمية لفكرة دولتين لشعبين».
 
يتم من خلالها تسوية الصراع مع الفلسطينيين عبر قيام مصر بالتنازل عن ٧٢٠كم2 من أراضى سيناء لصالح الدولة الفلسطينية المستقبلية، ورسم مستطيل ضلعه الأول ٢٤ كم، ويمتد بطول ساحل البحر المتوسط من مدينة رفح غرباً، وحتى حدود مدينة العريش، أما الضلع الثاني فيصل طوله إلى٣٠كم من غرب «كرم أبو سالم»، ويمتد جنوباً بموازاة الحدود المصرية الإسرائيلية. وهذه الأراضي (٧٢٠ كم2) التي سيتم ضمها إلى غزة تضاعف مساحة القطاع ثلاث مرات، حيث إن مساحته الحالية تبلغ ٣٦٥ كم2 فقط، كما أن هذه الأراضي تمثل 12% من مساحة الضفة الغربية، والتي يطالب الإسرائيليون ضمها إليهم لما تحويه من مستوطنات.
 
وفي مقابل الأراضي التي ستتنازل عنها مصر للفلسطينيين، تحصل القاهرة على أراض جنوب غربي النقب (منطقة وادي فيران)، يمكن أن تصل إلى ٧٢٠ كم2 (أو أقل قليلاً)، لكنها تتضاءل، بالطبع، في مقابل كل المميزات الاقتصادية والأمنية والدولية التي ستحصل عليها القاهرة لاحقاً.
 
وستسمح تل أبيب للقاهرة بشق نفق يربط بين مصر والأردن. ويبلغ طول هذا النفق حوالي ١٠ كم، ويقطع الطريق من الشرق للغرب (على بعد ٥ كم من إيلات)، ويخضع للسيادة المصرية الكاملة، والحركة من مصر إلى الأردن (وبعد ذلك شرقاً وجنوباً للسعودية والعراق) ستتم بدون الحاجة للحصول على إذن من "إسرائيل". كما سيتم مد خط سكك حديدية، وطريق سريع، وأنبوب نفط، وتعبر هذه الخطوط الثلاثة النفق إلى الأردن، ثم تتشعب باتجاه كل من الأردن والعراق، وإلى الجنوب باتجاه السعودية ودول الخليج.
 
ومقابل «الكرم» المصري، سيقرر العالم ضخ استثمارات كبرى في مصر في مشروعات ضخمة لتحلية وتنقية المياه، كما أن جزءاً من التعويضات التي ستحصل عليها مصر، سيتمثل في موافقة الدول الأوروبية (خاصة فرنسا) على بناء مفاعلات نووية في مصر لإنتاج الكهرباء. وتستعيد مصر بذلك، دفعة واحدة، مكانتها الدولية والعربية المتراجعة.
 
وبالنسبة لمكاسب الغزيين، فإن «توسيع غزة» وفقا للمشروع الإسرائيلي المقترح يمنحها ٢٤ كم إضافية من السواحل المطلة على المتوسط، بكل ما يترتب على ذلك من مزايا مثل التمتع بمياه إقليمية تصل إلى ٩ أميال بحرية، وخلق فرص وفيرة للعثور على حقول غاز طبيعي في هذه المياه. كما أن إضافة ٧٢٠ كم مربع لغزة تمكن الفلسطينيين من إنشاء ميناء دولي كبير (في القطاع الغربي من غزة الكبرى)، ومطار دولي على بعد ٢٥ كم من الحدود مع "إسرائيل". والأهم منذلك، بناء مدينة جديدة تستوعب مليون شخص على الأقل، وتشكل منطقة تطور ونمو طبيعي لسكان غزة والضفة، بل ويمكنها استيعاب أعداد من اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في دول أخرى. وستتحول غزة الجديدة إلى منطقة جذب تفيض بفرص النمو الاقتصادي، وتصير، بين عشية وضحاها، مركزاً تجارياً دولياً، لكن على الفلسطينيين، في المقابل، أن يتنازلوا عن جزء من الضفة الغربية يشغله المستوطنون الإسرائيليون وقواعد الجيش الإسرائيلي.
 
وبحسب الدراسة الإسرائيلية، فإن الأردن سيكون الرابح الأكبر من هذه التسوية، إذ لن يكون مطالباً بدفع أي ثمن لقاء ذلك، على الرغم من أنه قد يتذمر من إزالة الحاجز الجغرافي والسياسي الذي تمثله "إسرائيل" اليوم بوجودها الجغرافي والسياسي بين عمان والقاهرة. ويتمثل المكسب الأردني في منظومة الطرق، والسكك الحديدية، وأنبوب النفط، التي ستربط الميناء الدولي في غزة الكبرى عبر النفق المصري الأردني بدول الخليج. وهكذا يحصل الأردن، مجاناً، على إطلالة على البحر المتوسط (ميناء غزة)، ومن ثم يتحقق تواصل مازال مقطوعاً مع أوروبا. يضاف إلى ذلك أن الجزء الشرقي من النفق هو «عنق الزجاجة» الذي تتجمع فيه حركة البضائع القادمة من أوروبا ومتجهة إلى العراق والخليج. الأمر الذي يمنح الأردن ميزات اقتصادية وإستراتيجية عظيمة.
 
كما يشكل هذا الحل، من وجهة نظر معد الدراسة، حلاً للمشكلة الديمغرافية التي لطالما أزعجت الأردن، فأغلبية سكان المملكة من أصول فلسطينية، وأعدادهم في تزايد مستمر. وهذه الظاهرة تستفحل طالما أن حياة الفلسطينيين في الأردن أكثر راحة وسهولة من حياتهم في الضفة وغزة. لكن إذا أقيمت مدينة «غزة الكبرى»، والميناء والمطار الجديدان، ستنشأ فرص عمل وفيرة، وسيفضل الفلسطينيون من أصول غزاوية (أعدادهم في الأردن تصل لحوالي ٧٠ ألف نسمة) العودة إلى «بيتهم»، شأنهم شأن عدد كبير من اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في الضفة وغيرها.
 
لا ينسى التقرير تعداد مكاسب "إسرائيل" من هذا المشروع، فالأراضي التي ستحتفظ بها "إسرائيل" في الضفة (حوالي ١٢%) أكبر بكثير من المساحة التي يمكن أن تحصل عليها في أي حل آخر. والـ ١٢% هي المساحة التي وصفها إيهود باراك عندما سافر لمؤتمر كامب ديفيد ٢٠٠٠، بالمساحة الحيوية للحفاظ على المصالح الإسرائيلية.
 
كما أن الخطة الرئيسية لبناء الجدار العازل احتفظت لإسرائيل بـ ١٢% من أراضي الضفة. غير أن ضغوط المحكمة العليا في إسرائيل حركت الجدار غرباً، واحتفظت "إسرائيل" داخل الجدار بـ٨% فقط من المساحة التي تحتاجها. وستسمح هذه المساحة لإسرائيل بتقليص أعداد المستوطنين الواجب إخلاؤهم من الضفة، فيتقلص العدد من ١٠٠ ألف مستوطن إلى ٣٠ ألفاً فقط. بالإضافة إلى أن هذه المساحة ستسمح لإسرائيل بالاحتفاظ داخل حدودها بأماكن دينية ذات أهمية تاريخية وروحانية مثل مستوطنتي عوفرا، وكريات أربع. وتضمن الاحتفاظ بمستوطنة أريئيل داخل إسرائيل، وتوفير الأمن لسكانها.
 
وترى الدراسة أن هذا التقسيم "المتوازن" للأراضي بين غزة والضفة يمنح الدولة الفلسطينية فرصاً كبيرة جداً للاستمرار والنمو، وبهذا يمكن الوصول إلى تسوية سلمية مستقرة وغير معرضة للانهيار. كما أن مشاركة الدول العربية، خاصة مصر والأردن، في الحل يمثل دلالة إيجابية، ويخلق ثقة أكبر في الحفاظ على الاتفاقية وعدم نقضها. إلا أن هذه التسوية الإقليمية لا تنفي ضرورة توفير «معبر آمن» بين غزة والضفة، لكنها تقلل من أهميته، وتقلص حجم الحركة فيه. فيبقى «المعبر الآمن» سبيلاً للتنقل بين الضفة والقطاع، لكن غالبية حركة البشر والبضائع بين غزة والعالم العربي ستنطلق عبر منظومة الطرق ووسائل المواصلات الجديدة التي تربط غزة الكبرى بالعالم.
 
وتبدو المآرب الإسرائيلية من هذا المشروع واضحة في تعزيز الانقسام الفلسطيني بين الضفة والقطاع، من خلال جعل كل جناح يعتمد على نفسه في إدارة شؤونه الاقتصادية والسيادية، وإغراء الدول الكبرى بدعم هذا المشروع عبر التلويح بإمكانية إيجاد ممر بحري عصري على ساحل المتوسط (ميناء غزة الجديد في سيناء) وربطه بالنفق المصري الأردني وصولاً إلى الخليج العربي والعراق، حيث تتجلى أطماع "إسرائيل" الحقيقية، وتعزز بالتالي من الانقسام الفلسطيني الذي سيتحول إلى واقع سياسي وجغرافي يصعب التغلب عليه.
 
* كاتب وباحث فلسطيني.
 
"حقوق النشر محفوظة لموقع "قاوم"، ويسمح بالنسخ بشرط ذكر المصدر"
 



تعليقك على الموضوع
الاسم:
البريد الإلكتروني:
التعليق:

الرمز:* Code
أرسل التعليق إلى البريد الإلكتروني