|
في أعقاب أربع سنوات من صعوده غير المتوقع إلى السلطة، يحاول نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي، الاحتفاظ بمنصبه من دون مساعدة حلفائه السابقين، الذين أسهموا في إيصاله إلى منصب رئيس الوزراء للمرة الأولى.
ولا يزال المالكي أقوى زعيم سياسي شيعي في العراق، لكنه يجد نفسه معزولا سياسيا وإقليميا بينما يبقى الأمن، الملف الذي بنى عليه سمعته، هشا وبخاصة في أعقاب الهجمات على المباني الحكومية وفنادق بغداد الشهيرة، التي أودت بحياة أكثر من 400 شخص منذ أغسطس (آب) الماضي، حسب ما ذكرت وكالة صوت العراق نقلاً عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية.
ومع اقتراب الانتخابات البرلمانية،المقرر إجراؤها في السابع من مارس (آذار)، ستتوقف قدرة المالكي على الاحتفاظ بمنصبه على نوع العراق الذي ستغادره القوات الأميركية، بعد أن خفضت وجودها على نحو بارز ربيع هذا العام.
ولا يزال المالكي شخصية غامضة، فقد بدأ حياته السياسية كسياسي غامض، نظر إليه الكثيرون على أنه طائفي، لكنه نفى هذه الصفة عن نفسه أخيرا ليصف نفسه بالوطني، الأمر الذي ولد مخاوف من العودة إلى ذلك النوع من الحكم الاستبدادي الذي كان سائدا في العراق قبل غزو عام 2003 الذي قادته الولايات المتحدة.
ويقول حلفاؤه إنهم لا يملكون خيارا آخر، فالمالكي كما يقولون هو الذي أعاد الاستقرار إلى البلاد التي شهدت خمسة تغييرات للوزارة في ست سنوات ، حسب تعبيرهم.
ويقول سامي العسكري السياسي الشيعي المستقل المقرب إلى رئيس الوزراء: "نجاح المالكي في الاستمرار في السلطة ليس لأنه شخص قوي أو ضعيف، بل بسبب غياب البديل".
لكن حتى حلفاء المالكي يقولون إن سعيه لتغيير صورته من شيعي أصولي إلى وطني عراقي ربما تؤدي في النهاية إلى الإطاحة به، فعندما نأى بنفسه عن التحالفات المبنية على الطائفية والعرقية فاز بأصدقاء أقل من الخصوم. ويبدي الأصوليون الشيعة الآخرون قلقهم من أنه بذلك يكون قد فتح الباب أمام القوى المنافسة، فقد فشل في ضم الكورد وقادة العرب السنة إلى جبهته السياسية، بينما تشعر إيران التي ساعدت على ارتقاء المالكي إلى السلطة بأنها فقدت السيطرة عليه.
يقول عزت الشابندر، السياسي الشيعي المستقل الذي انضم إلى تحالف المالكي: "إنه يشعر بالعزلة السياسية والإقليمية، لكنه يعتقد أنه يلقى قبولا لدى العراقيين".
ويأتي إرث الانتخابات كأكبر عامل للقلق بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فقد تزايدت المخاوف في أعقاب قرار هيئة المساءلة والعدالة استبعاد 500 من المرشحين بزعم التمسك بأفكار حزب البعث المنحل، وأبرز المتضررين هم من العرب السنة. وربما يسمح الحكم، الذي أصدرته محكمة يوم الأربعاء الماضي، للمرشحين بالاستمرار في الانتخابات، لكن القرار السابق بالاستبعاد نحى بالفعل السنة الذين قاطعوا انتخابات 2005.
المالكي، الذي طالما خشي من عودة البعثيين مرة أخرى، بات الآن في موقف حرج، فإذا ما دفع من أجل إعادة المرشحين، فإنه بذلك يخاطر بتنفير الناخبين الذين يخشون من عودة البعثيين، وإذا لم يفعل فإنه سيفقد المصداقية بين العرب السنة، والذين حاول جاهدا استمالتهم.
تولى المالكي منصبه في عام 2006 كمرشح توافقي، فقد اختير لخلافة رئيس الوزراء إبراهيم الجعفري، في المقام الأول، لأن الشيعة تفرقوا بين المجلس الإسلامي الأعلى في العراق، الحزب الشيعي الذي هيمن من قبل على مقاليد السلطة، والذي أنشئ في إيران وأمضى سنوات في المنفى هناك، والتيار الصدري.
أما إيران والأحزاب الشيعية وحلفاؤهم ، فظنوا أنهم يستطيعون السيطرة على المالكي، العضو في حزب الدعوة الصغير. ولكن بعد مرور عامين من ولايته، فاجأ مؤيديه، وتجاوز الخطوط الطائفية.
وعام 2008، توجه المالكي إلى جنوب العراق، وهاجم الميليشيات الشيعية التي كانت تسيطر على مدينة البصرة. وبفضل مساعدة عسكرية أميركية والدبلوماسية الإيرانية هدأت المدينة، وكانت النتيجة توتر العلاقة مع الحركة الصدرية التي يقودها رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، والتي تعاني الانشقاقات الآن. لكن المالكي عزز مصداقيته بين العرب السنة، ففي وقت لاحق وقع المالكي على الاتفاق الأمني، الذي وضع جدولا زمنيا لإنهاء الوجود الأميركي.
وخلال الانتخابات المحلية التي أجريت العام الماضي، فاز تحالف دولة القانون الذي يقوده المالكي بالأغلبية في 9 محافظات من بين 14 أجريت فيها الانتخابات، من بينها العاصمة العراقية بغداد.
لكن هذه الشعبية تقوضت خلال الأشهر الأخيرة. ويقول مناصروه إن رفضه لأن يكون دمية في يد أحد كلفه الكثير من أصدقائه، لكن منتقديه يقولون إنه عمل على تحييد الوزراء، ويستشير دائرة صغيرة من المستشارين.
يذكر أن النظام البرلماني في العراق متعدد الأحزاب، ويقوم المشرعون باختيار الرئيس، الذي بدوره يعطي أكبر تحالف في البرلمان الفرصة الأولى لاختيار رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة. وإذا ما تمكنت كتلة المالكي في الفوز بأكبر عدد من المقاعد، والأغلبية في البرلمان فستظل هناك حاجة إلى تأييد حكومته. ومن دون عقد تحالفات، ستكون تلك مهمة مستحيلة. ويقول العسكري: "يجب عليه تشكيل تحالفات مع آخرين وإلا فسينتهي".
وبدورهم، يقول حلفاء المالكي السابقون إنهم لن يدعموه هذه المرة، فأتباع الصدر يتهمون المالكي باستهداف حركتهم، على الرغم من الدور الذي لعبته الحركة في اختياره رئيسا للوزراء. وتواجه الميليشيات التابعة للحزب اتهامات بلعب دور رئيس في الحرب الطائفية.
وقال صلاح العبيدي، المتحدث باسم المكتب السياسي للصدر: "الجميع يرى أن المالكي أعطى الوعود، والوعود الكبيرة، لكنه لم يف بأي منها. فلماذا أتعاون معك إذا كنت تأخذ ولا تعطي؟". ويخشى حلفاء المالكي من أن يقوم حلفاؤه السابقون، ومن بينهم إيران، باللجوء إلى علميات تخريب لتشويه صورته.
ويقول الشابندر: "تشعر إيران بأن المالكي لم يعد تحت سيطرتها، وكان الاختبار الأخير هو رؤية ما إذا كان سيظل مع التحالف الشيعي أم لا، لكنه فشل في هذا الاختبار". وأضاف أن المالكي أسر إلى أكثر من حليف له بمخاوفه من أن تلجأ إيران إلى اغتياله.
وقال علي حاتم السليمان، أحد زعماء العشائر السنية المؤيدة للائتلاف الذي يقوده المالكي: "إنه يتفهم أن إيران إذا رغبت في أن تضره (سياسيا)، فإن الأميركيين لن يدافعوا عنه".
وأشار ضابط في الجيش الأميركي إلى أن إيران قامت بصورة غير مباشرة بتسهيل الهجمات الأخيرة في بغداد أو رعايتها، من خلال نفوذها على قوات الأمن. وأعرب الضابط، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن اسمه، عن خشيته من أن تكون أن الهجمات دبرت بهدف تشويه سمعة المالكي بخفض العنف، وتأجيج التوترات الطائفية، والتي تجعل من الصعب بالنسبة إليه عقد تحالفات مع الأحزاب السنية.
ويبدو أن المالكي شعر خلال الأسابيع الأخيرة بالضغوط للعودة إلى الصف الإسلامي الشيعي والتوجه إلى حلفائه الأصليين. ففي زيارة له إلى النجف الشهر الماضي، التقى المالكي المرجع الشيعي آية الله على السيستاني. وفي أعقاب ذلك، أعلن المالكي عن تحالف شيعي محتمل بعد الانتخابات مع المجموعة الشيعية التي انفصل عنها.
وقال علي الأديب، عضو حزب الدعوة الذي يقوده المالكي: "كانت تلك رسالة هادئة من مدينة النجف بأن قادتهم سوف يتوحدون". ويشير السليمان، الحليف السني للمالكي، إلى أنه حتى إذا ما تم التوصل إلى الاتفاق وظل المالكي في السلطة، فستظل أهداف المالكي النهائية مبهمة، وقال: "لا أحد يعلم ما يحمله المالكي في قلبه".
|