قد تكون لتصريحات أوباما وتحركاته على صعيد المنطقة دور في تحسين الصورة الأمريكية، لكن ذلك في الواقع ليس كافياً، فالقضايا المزمنة التي ترزح بها المنطقة، تحتاج إلى حلول إيجابية وبناءه، إذا ما كان أوباما وأركان إدارته عازمين على تحقيق نقلة نوعية في العلاقات العربية الأمريكية، أما سياسة المسكنات .. فمن شأنها أن تفضي إلى كوارث ..
-------------------------
لا يختلف أحد حول ذكاء الرئيس الأمريكي باراك حسين أوباما، بما في ذلك العرب المسلمين، الذين تضرروا كثيراً من سياسات الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، بسبب انحيازها البين للكيان الصهيوني، واعتبارها أن أمنه واستقراره خطاً أحمر لا يجب الاقتراب منه فضلاً عن تعديه، فمنذ أن تولى أوباما زمام الأمور في البيت الأبيض، وهو يحاول بعث رسائل تعكس رغبته في إقامة حوار بناء بين أمريكا والمنطقة العربية، والقضاء على سوء الفهم المنتشر في الأوساط العربية بسبب سياسات بوش المتطرفة، وذلك في محاولة منه لتحسين صورة الولايات المتحدة في المنطقة من جهة، والحفاظ على مصالحها المنتشرة في العالم من جهة أخرى، والاستفادة من الثروات الكثيرة التي تتمتع بها المنطقة في معالجة التداعيات السلبية الخطيرة للأزمة المالية العالمية على الولايات المتحدة من جهة ثالثة، فهل ينجح أوباما في مساعيه، أم أن هناك من العراقيل ما سيحول بينه وبين تحقيق أهدافه؟
تصريحات مطمئنة:
منذ أن اعتلى أوباما سدة الحكم في الولايات المتحدة، وهو يسعى لرأب الصدع بين بلده وبين العالم الإسلامي، نافياً أن تكون واشنطن في حرب مع الإسلام، ومؤكدا رغبته في إقامة شراكة استراتيجية مع المنطقة، لجسر الهوة بين الغرب والعالم الإسلامي.
وعلى عكس سلفه جورج دبليو بوش الذي حصر علاقته بالدول العربية والإسلامية في موضوع مكافحة الإرهاب، أكد أوباما أنه لا يمكن أن يختزل علاقات بلاده مع الدول الإسلامية في موضوع مكافحة الإرهاب، مؤكداً أن للمنطقة دوراً كبيراً في إثراء الحضارة وفي بناء الولايات المتحدة، مما يستدعى أن يكون الحوار البناء والمصالح المشتركة هما عنوان العلاقات المتبادلة بين الطرفين.
ولم يغفل أوباما في أحاديثه الكثيرة المسألة الفلسطينية التي تعد أصل الخلاف ما بين العرب والمسلمين، وبين الإدارات الأمريكية بمختلف توجهاتها وانتماءاتها، فلقد اعتاد العرب من الولايات المتحدة الانحياز للكيان الصهيوني، على حساب المصالح والقضايا العربية العادلة، الأمر الذي يصل في كثير من الأحيان لتجاهل القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن والأمم المتحدة تجاه الكيان الصهيوني، خوفاً من تأليب اللوبي الصهيوني على الإدارات الأمريكية، الأمر الذي بدا للعرب أن قادة الكيان في الولايات المتحدة هم من يوجهوا السياسة الأمريكية وليس الرئيس القابع فوق كرسي الرئاسة الأمريكية.
أدى هذا الوضع الثابت في السياسات الأمريكية بإداراتها المختلفة إلى إطلاق تصريحات عديدة لا يتم الالتزام بشيء منها، أخرها ما حدث أيام الرئيس السابق جورج بوش الذي تعهد بإقامة دولة فلسطينية مستقلة، وانتهت دوريته دون أن يحصل الفلسطينيون على شيء، بل على العكس كان عهده شاهداً على أكبر مجزرة بشرية في القرن الواحد والعشرين، بعدم صمت إدارته على العدوان الصهيوني الشرس علي قطاع غزة، والذي راح ضحيته ما يقرب من خمس مائة شهيد وأكثر من أربعة آلاف جريح.
واليوم يعيد أوباما ما سبق وتعهد به بوش من رغبته في إقامة دولتين فلسطينية وإسرائيلية، حيث صرح على لسان نائبه أن سيضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي نتنياهو من أجل تمرير حل الدولتين، باعتبار أن بقاء القضية الفلسطينية معلقة دون حل من شأنه أن يضر بالمصالح الأمريكية والغربية في المنطقة.
دوافع التحرك:
لا شك في أن هناك العديد من الدوافع التي تجبر الرئيس الأمريكي أوباما على التحرك بفعالية تجاه الشرق الأوسط، هذه الدوافع تتمثل في:
أولاً: الأزمة المالية العالمية التي أضرت ضرراً بالغاً بالاقتصاد الأمريكي، والتي تحتاج في علاجها لمعجزة قد يعجز الداخل الأمريكي عن توفيرها، مما يتطلب من الإدارة الأمريكية الجديدة تحسين علاقاتها بشركائها الإقليميين والدوليين، من أجل مساعدتها في إقالة الاقتصاد الأمريكي من عثرته، وذلك لن يكون إلا من خلال قيام الولايات المتحدة بتحسين علاقاتها وصورتها أمام المجتمع الدولي، بعد أن أدت سياسات الرئيس بوش إلى تشويه تلك الصورة.
ثانياً: محاولات العديد من القوى الصاعدة في المجتمع الدولي الإحلال محل الولايات المتحدة في المنطقة، والاستفادة من الثروات الكثيرة التي تتمتع بها، في تقوية اقتصادياتها، وعلى رأس تلك الدول الصين وروسيا والاتحاد الأوربي، الأمر الذي من شأنه أن يضر كثيراً بالولايات المتحدة ومكانتها العالمية.
ثالثاً: وقف نزيف الدم الأمريكي في العراق وأفغانستان، فضلاً عن منع الإرهابيين من توجيه أية هجمات مستقبلية للولايات المتحدة، إذ من شأن ذلك أن يضرب التحركات الأمريكية لعلاج الاختلالات الاقتصادية المتفاقمة في مقتل، لذلك فمن مصلحة الولايات المتحدة في الوقت الحالي تحسين صورتها أمام المجتمعات الإسلامية، وتأكيد رغبتها في إقامة حوار وشراكة حقيقية مع الدول العربية والإسلامية.
رابعاً: إيجاد شركاء حقيقين للمساهمة في تمويل الوجود الأمريكي في العراق وأفغانستان، إذ يكلف ذلك الوجود الخزانة الأمريكية ملايين الدولارات يومياً، وهو ما يتسبب في عجز أمريكي كبير، قد لا تستطيع الخزانة الأمريكية أن تتحمله مستقبلاً.
تحديات وعراقيل:
بالرغم من جدية الإدارة الأمريكية في مساعيها الخاصة بتحسين صورتها أمام الشعوب العربية والإسلامية، إلا أنه هناك في الواقع العديد من التحديات التي قد تحول بينها وبين المضي قدماً في مخططاتها في هذا الجانب، والتي قد لا تزيد في واقع الأمر عن بعض التصريحات والشكليات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وهذه التحديات تتمثل في :
أولاً: اللوبي الصهيوني الأمريكي الذي يقف بالمرصاد لأية تحركات من شأنها أن تضر بمستقبل الكيان الصهيوني، ما يعني أن محاولات الرئيس أوباما إقامة دولتين في الغالب لن ترى النور، وأقصى ما يمكننا رؤيته سيناريو مكرر من فترة الرئيس جورج دبليو بوش، لتنتهي ولاية أوباما دون أن يحصل الفلسطينيون على شيء.
ثانياً: انشغال الإدارة الأمريكية بعلاج اختلالات الاقتصاد الأمريكي، فكما يعلم المتابع للداخل الأمريكي أكثر ما يهم الناخب الأمريكي هو الاقتصاد، لذلك من المرجح أن ينصب اهتمام أوباما على الداخل خوفاً من تأثير ذلك على مستقبله السياسي.
ثالثاً: الأوضاع المتأزمة في العراق، والتي تزداد صعوبة يوماً بعد آخر بسبب استمرار تواجد الجيش الأمريكي في العراق، وعدم تنفيذ الرئيس أوباما بتعهداته الخاصة بسحب القوات الأمريكية من العراق نهاية 2010، فضلاً عن بعض الممارسات الخاطئة للحكومة العراقية، والتي تتسبب في قيام بعض الجماعات بشن هجمات على القوات الأمريكية والعراقية على حد سواء.
رابعاً: رفض الشعوب العربية والإسلامية فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية باستمرار سياسة المسكنات الأمريكية، فإذا لم يتخد أوباما خطوات ملموسة وإيجابية تجاه القضية الفلسطينية، من شأن ذلك أن يضر أكثر بصورة الولايات المتحدة في المنطقة.
خامساً: وجود حكومة صهيونية يمينية ترفض كافة حلول السلام في المنطقة، وتصر على استمرار سياسات الحصار والاغتيال تجاه الشعب الفلسطيني الفقير، وترفض إجراء أي مفاوضات مع حركة المقاومة الإسلامية حماس، والتي تعتبر الممثل الشرعي في الوقت الحالي للشعب الفلسطيني، الأمر الذي يزيد من تعقيد الأمور .
فحسب تأكيدا الخبراء من شأن تهميش الولايات المتحدة وأوروبا لحماس أن يفضى إلى مأزق، لأنه لا يمكن النيل من حماس كحركة اجتماعية وسياسية فلسطينية محاصرة، أو التخلص منها كليا.
نخلص من ذلك إلى أنه قد تكون لتصريحات أوباما وتحركاته على صعيد المنطقة دور في تحسين الصورة الأمريكية، لكن ذلك في الواقع ليس كافياً، فالقضايا المزمنة التي ترزح بها المنطقة، تحتاج إلى حلول إيجابية وبناءه، إذا ما كان أوباما وأركان إدارته عازمين على تحقيق نقلة نوعية في العلاقات العربية الأمريكية، أما سياسة المسكنات التي تواصل الولايات المتحدة انتهاجها مع الدول المنطقة، فمن شأنها أن تفضي إلى كوارث لا تقل فظاعة عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
* صحفي وكاتب مصري.
"حقوق النشر محفوظة لموقع "قاوم"، ويسمح بالنسخ بشرط ذكر المصدر"
|